محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
295
الإنجاد في أبواب الجهاد
بينه وبين قوم عهدٌ ، فلا يَشُدَّ عُقدةً ولا يحُلَّها حتى ينقضي أمدها ، أو ينبذ إليهم على سواء » . وخرَّجه الترمذي كذلك ، وقال فيه : حسنٌ صحيح . قوله : « ينبذ إليهم على سواء » ؛ أي : يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم ، وإن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع ، فيكون الفريقان في ذلك على السواء . وقوله في حديث أبي بكرة : « من قتل معاهداً من غير كُنْهه » ؛ معناه : في غير وجهه ووقته . وفي معنى آخر : كنه الشيء : غايته . وأجمع المسلمون على وجوب الوفاء بعقد الأمان ، وتحريم الخيانة فيه ، ثم اختلفوا فيما يشترط في صفة من يصح منه عقد الأمان ، فنذكر ذلك أولاً ، ثم نذكر صفة التأمين ، وما به يقع من قولٍ أو عملٍ ، ثم ما يجوز من الخديعة في الحرب ، والفرق بينه وبين ما يكون له حكم الأمان ، ثم انقسام عقود الأمان في الخصوص والعموم ، وما لكل واحدٍ منهما من الأحكام - إن شاء الله تعالى - ، وبه التوفيق .
--> = ويشهد له حديث أبي هريرة عند البخاري ( 369 ) في الصلاة ، و ( 3177 ) في الجزية ( باب كيف يُنبذ إلى أهل العهد ) ، وفيه قال أبو هريرة : بعثني أبو بكر - رضي الله عنه - فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . . . ، فَنَبَذَ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام ، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مشرك . وقد نقل الحافظ في « الفتح » ( 6 / 279 ) عن الأزهري قوله : المعنى : إذا عاهدت قوماً ، فخشيت منهم النقض ، فلا توقع بهم بمجرد ذلك ، حتى تعلمهم . قلت : وقال أبو عبيد في « الأموال » : قال يزيد ( يعني ابن هارون أحد رواة الحديث ) : لم يرد معاوية أن يغير عليهم قبل انقضاء المدة ، ولكنه أراد أن تنقضي وهو في بلادهم ، فيغير عليهم وهم غارُّون ، فأنكر ذلك عمرو بن عبسةَ ، إلا أن لا يدخل بلادهم حتى يُعلمهم ويُخبرهم أنه يريد غزوهم . قال أبو عبيد : وكذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكل من كان بينه وبينه عهدٌ إلى مدة ثم انقضت ، وزادهم في الوقت - أيضاً - ، وبذلك نزل الكتاب . قلنا : هو قوله - تعالى - في سورة [ الأنفال : 58 ] : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ } .